القاضي عبد الجبار الهمذاني
194
المغني في أبواب التوحيد والعدل
صرفهم عن الآيات من حيث علم أن ظهورها لهم لا ينفعهم من حيث لا يؤمنون عندها ولا عند شيء من الآيات ، ولا يعدلون عن طريقة البغى إلى طريقة الرشد ، فدل ذلك على أنهم لو آمنوا عند بعضها لكان يظهرها ولا يصرفهم عنها . وكما دل على أنه كان يظهرها لهم لو آمنوا . وكذلك يدل على أنه يظهر ذلك لكل من يؤمن عنده ، ويعدل عن طريقة الغىّ إلى طريقة الرشد ؛ لأنه تعالى لما بين أنه يصرفهم عنها ، بيّن ما لأجله فعل ذلك - وهو ثباتهم على الكفر - وأنهم لا يختارون الإيمان عندها « 1 » . وهذا التعليل يقتضي فيهم وفي غيرهم ما ذكرناه . وقد علمنا أنه تعالى لم يرد بذلك الأدلة التي بها تقدّم الحجة عليهم عقلا أو سمعا ، وذلك لأنها مما لا يجوز مع التكليف أن يصرفها عن أحد كان المعلوم أنه يؤمن أو يكفر . فالمراد بذلك ما يكون لطفا من الأدلة المؤكدة التي يفعلها تعالى لمن اهتدى على ما ذكرنا في قوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً ؛ أو أراد بذلك المعجزات الزائدة التي يظهرها من حيث يؤمن عندها قوم على وجه لولاه لما آمنوا ، وإن كانت الحجة بالنبوّة قد قامت لهم ودلتهم على ما يقع به الكفاية . وهذه الآية أيضا إنما تدل على أنه تعالى على هذا الحدّ يدبر من كلفه من عباده ، ولا تدل بظاهرها « 2 » / على وجوب اللطف على نحو ما قدّمناه من قبل . ويدل على ذلك قوله تعالى : « وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 3 » ، فدل بذلك على أنه إنما لم يفعل ما ذكره من حيث لو فعله كانوا لا يؤمنون عنده . فدل ذلك على أنهم لو آمنوا عنده وعند غيره لفعله لا محالة ، لأنه تعالى لو كان لا يفعل « 4 »
--> ( 1 ) أي عند الآيات . ( 2 ) في الأصل : بظاهره . ( 3 ) القرآن : سورة الأنعام : 111 . ( 4 ) في الأصل : لو كان كما لا يفعل .